الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

2606104

منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري".

أولاً: ترجمة الحافظ ابن رجب.

هو: الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغداديّ, ثم الدمشقيّ الحنبلي, ولد ببغداد سنة ست وثلاثين وسبعمائة.

مَهَرَ في فنون الحديث: أسماءً ورجالاً وعللاً وطُرُقاً واطِّلاعاً على معانيه.

ونُقمَ عليه إفتاؤه بمقالات شيخ الإسلام ابن تيميّة, وكان قد ترك الإفتاء بأخرة.

وكان صاحب عبادة وتهجّد, وكان لا يخالط أحداً, ولا يتردّد إلى أحد.

مشايخه:

شيخ الإسلام ابن تيمية, وسمع بالقاهرة من ابن الملوك, وبدمشق من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز, وإبراهيم بن داود العطار, وغيرهما وبمصر من أبي الفتح الميدومي, وأبي الحرم القلانسي, وجمعٍ جمّ.

تلاميذه:

قال الحافظ ابن حجر: تخرَّج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.

ومنهم: محمد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي الدمشقي الصالحي الحنبلي.

مصنّفاته:

له العديد من المصنّفات, منها:

"شرح حديث لبيك اللهم لبيك" .

"شرح حديث بعثت بالسيف بين يدي الساعة" ، "شرح حديث عمار بن ياسر اللهم بعلمك الغيب" ، "شرح حديث إن أغبط أوليائي عندي" , " التخويف من النار" , "الاستخراج لأحكام الخراج" , "الاستغناء بالقرآن" , "استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس" , "أهوال القبور" , "التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار" ,  "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" , "جامع العلوم والحكم في شرح أربعين حديثا من جوامع الكلم والحكم" , "الذيل على طبقات الحنابلة" "شرح الجامع الصحيح للترمذي" . "فتح الباري في شرح الجامع الصحيح للبخاري"  "الإلمام في فضائل بيت الله الحرام" , وغير ذلك.

ثناء العلماء عليه:

قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: المحدّث الحافظ ".

وقال في ذيل تذكرة الحفاظ: الإمام الحافظ الحجة والفقيه العمدة أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد مفيد المحدِّثين واعظ المسلمين".

وقال الشهاب ابن حجّي: أتقن في الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق، تخرّج به غالب اصحابنا الحنابلة ".

وقال السيوطي: هو الإمام الحافظ المحدث الفقيه ".

وفاته:

قال الحافظ في الدرر الكامنة:

" ومات في شهر رجب سنة 795 , ويقال أنه جاء إلى شخص حفار فقال له احفر لي هنا لحداً وأشار إلى بقعة قال الحفار فحفرتُ له فنزل فيه فأعجبه واضطجع وقال: هذا جيد فمات بعد أيام فدفن فيه ".اهـ

ودفن بالباب الصغير جوار قبر الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي المقدسي.

مراجع الترجمة:

الدرر الكامنة لابن حجر, ذيل طبقات الحفاظ, إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر.

ثانياً:

منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتاب "فتح الباري في شرح صحيح البخاري".

اسم الكتاب: طبع الكتاب باسم: "فتح الباري في شرح صحيح البخاري".

توطئة:

لأهمية "الجامع الصّحيح" للإمام البخاري -رحمه الله-, ولكثرة ما اشتمل عليه من المزايا, جذب عناية أعيان الأمّة وأفذاذها إلى الاعتناء به؛ لاستخرج درره المكنونة, وجواهره المدفونة, فانتهض أعيان الأمّة وأعلام العلم في كلّ عصر لخدمته في شتّى أنحاء العلوم.

فبين شارح له, ومعلّق عليه, وملخّص ومختصر, ومهذّب ومرتِّب, ومؤلّف لطرقه وأطرافه, وشارح لمناسبات تراجمه, ومؤرّخ لرجاله, وواصل لمراسيله ومعلّقاته, ومستدرك عليه, ومتتبّع لعلله...الخ.

وشرح الحافظ ابن رجب -رحمه الله- ممّا اجتمعت فيه ميزات كثيرة متعدّدة, فهو يكاد يأتي على ما في شروح غيره ويزيد.

كيف لا؛ وهو الحافظ النّاقد, والأصوليّ الفقيه, والمفسّر واللغويّ.

وقد شرح ابن رجب هذا الكتاب في آخر عمره, بعد أن استوى عوده, واستحكمت خبرته, وثقل علمه.

وقد بلغ في شرحه إلى آخر "كتاب السّهو", لكن سبقته المنيّة المحتومة وأجله المكتوب قبل أن يُكمل الكتاب.

ومع هذا؛ فالجزء الذي شرحه منه لم يصل إلينا كاملاً, بل ضاع منه قريبٌ من ثلثه, فنسأل الله تعالى أن يوفِّق عبداً من عباده للوقوف على بقيّة هذا الشّرح, وإخراجه للنّور لينتفع به المسلمون.

وحيث أن الكتاب ناقص, فلم يوجد من أوّله, فقد ضاعت علينا المقدّمة التي كتبها الحافظ ابن رجب لهذا الشّرح والتي كان يُمكن أن تبيّن لنا طريقته ومنهجه في هذا الكتاب, والمنوال الذي ألّف عليه هذا الشّرح الكبير الماتع.

ولكن يمكننا أن نستخلص بالتّتبع منهج الحافظ ابن رجب في هذا الشرح, فنقول:

قال الدكتور همام عبد الرحيم سعيد في مقدمته على "شرح علل الترمذي" (1/285-287) نقلته مع شيء من التصرّف والزّيادة. ([1]):

يمتاز جامع البخاري الصحيح على غيره من كتب الحديث بطريقته الفقهية, ومن هنا كان على من يتصدى لشرحه أن يكون على دراية واسعة بالحديث والفقه, وهذا ما عُرف به ابن رجب من خلال شرح الترمذي من جهة, وكتاب القواعد الفقهية من جهة أخرى, وكل منهما في بابه يدلّ على اكتمال شخصية الرجل العلمية وأهليته لأن يتصدى لمثل البخاري بالشرح, فشرع في هذا الشرح قُبيل وفاته بقليل؛ إلا أن المنية اخترمته قبل إتمامه..

ولقد حاولتُ استقراء منهج ابن رجب, فظهر لي أن منهجه يتلخص بما يلي:

1- يذكر ترجمة الباب.

2- ثم يعقّب عليها بتعليق ضافٍ يتناول ما في الترجمة من القضايا الفقهية, ويذكر آراء العلماء فيها. وكأنه بهذا التعليق يمهِّد للحديث بمدخل مناسب.

3- ويُلاحظ طول هذا المدخل.

4- يأتي بعد هذا المدخل ذكر الحديث بإسناده ومتنه, كما هو في البخاري.

5- يخرِّج حديث الباب تخريجاً واسعاً في الغالب يستقصي الحديث من جميع رواياته وطرقه.

6- وإلى جانب التخريج يتكلَّم عن القضايا الحديثية في الحديث وطرقه:

آ- كرفع توهُّم الانقطاع.

ب- وإثبات التصريح بالسَّماع إذا كان الراوي مدلّساً.

ج- كما يتكلّم في الرجال جرحاً وتعديلاً.

7- يتناول فقه الحديث ويفصِّل قضاياه, ويذكر أقوال العلماء وأدلَّتهم, ويناقش ويرجِّح كلّ ذلك باستيعابٍ وإطالة غير مخلّين. فيجد الباحث نفسه وهو يستعرض هذه المسائل مستغرقا مع كتاب موسوعيّ في الفقه المقارن, وفي النموذج الأول الذي ألحقناه بهذا المبحث مثالٌ على هذا المنهج, فقد تناول قضاء الصلاة الفائتة عمداً بما يزيد على ست لوحات مخطوطة.

8- ويمتاز منهجه هذا بالأدب الجمّ, والحرص على نسبة كلّ قول إلى قائلة, والإفاضة في ذكر أدلة كل قول, وهو وإن كان يركز على المذهب الحنبلي إلا أنه قد يعدل عن هذا المذهب إلى غيره تبعاً للدليل القويّ...

9- وإذا كان الدَّليل حديثاً, فإنه يتناول طرقه بنفس الاستقصاء الذي أشرنا إليه سابقاً, ويُضاف إلى ذلك بحث مستفيض في التعديل والتجريح, والتصحيح والتضعيف, وذكر العلل, ويعتمد في ذلك على كتاب: علل الدارقطني إلى جانب مجموعة كبيرة من مصادر علوم الحديث الأصلية.

مقارنة بين كتاب ابن رجب وكتاب ابن حجر:

صنّف ابن رجب "فتح الباري بشرح البخاري" وصنّف ابن حجر كتاباً في نفس الموضوع والعنوان, ومما لا ريب فيه أن ابن رجب هو من طبقة شيوخ ابن حجر, ومن المؤكد أن كتابه متقدّم على كتاب ابن حجر.

وكنتُ أتوقع([2]) أن يكون ابن حجر قد اعتمد على شرح ابن رجب وبحثتُ في كتابي ابن حجر "المعجم المفهرس", و "المجمع المؤسس", وهما كتابان ذكر في أحدهما شيوخه وفي الآخر الكتب التي وصلَت إليه, فلم أجد ذكراً لابن رجب, ولا لكتابه "فتح الباري".

ولجأتُ إلى كتاب ابن حجر "فتح الباري" أبحث فيه عن استمداد مصنفه من ابن رجب, فلم أجد ابن حجر يشير إلى شيء من ذلك, ولم أجد ذكراً لكتاب ابن رجب بالرغم من أن كثيراً من المسائل تعرّض لها ابن حجر بكلام قريب جداً من كلام ابن رجب([3]) إلا أن حجر يوجز ويختصر بالنسبة لكتاب ابن رجب.

ومن الفروق الرئيسة فيهما بالإضافة إلى ما ذكرتُ من الاختصار والتطويل:

1- أن ابن حجر يذكر الترجمة مع أحاديث الباب, ثم يبدأ بالشرح. بينما رأينا ابن رجب يذكر الترجمة, ثم يعقب عليها بكلام يطول أحياناً, ثم يأتي بحديث الباب.

2- التخريج عند ابن حجر مادّة فرعية يأتي بها عرضاً. وعند ابن رجب مادة أساسية يطيل فيها غالباً.

3- بينما يوجز ابن حجر في عرض الآراء الفقهية ويُبرز رأي الشافعية غالباً, فإننا نجد ابن رجب المقابل يفصِّل الآراء الفقهية, ويُبرز رأي الحنابلة غالباً.

4- يحمّل ابن حجر الأحكام المستمدة من الحديث في مكان واحد, وغالباً ما يكون آخر الحديث, بينما نجد ابن رجب ينثر هذه الأحكام في الباب كله ".

انتهى كلام الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.

ميِّزات شرح ابن رجب على شرح ابن حجر:

1- ابن رجب معروف أنه على عقيدة السّلف وعلى طريقة أصحاب الحديث، بخلاف ابن حجر -عفا الله عنا وعنه- الذي أخطأ في بعض القضايا المتعلقة بالاعتقاد.

2- ابن رجب أكثر تحريراً للمسائل الفقهية من ابن حجر. حيث مذهب ابن حجر هو الإيجاز بينما منهج ابن رجب التفصيل في الأقوال. ويتميز ابن رجب بتحرير مذهب الحنابلة في المسائل الفقهية ويبين خطأ نسبة عدد من المسائل إلى الإمام أحمد.

3- تميز ابن رجب في بيان علل الأحاديث، حيث يهتمّ بها كثيراً، بخلاف ابن حجر الذي يعتبرها مادة فرعية. لذلك يكثر ابن رجب الكلام عن طرق الحديث وإثبات التصريح بالسَّماع إذا كان الراوي مدلساً, وأقوال العلماء في العلل.

4- مصادر ابن حجر في شرحه معروفة، وأكثر ما ينقل هو عن شرح ابن دقيق العيد, وقد أدّى هذا لتأثر بالغ بأقوال المتأخرين، وبخاصّة الذين تكلّموا في شرح الصحيحين من قبله مثل: ابن بطال, وابن المهلب, وابن التين، وكذلك: المارزي, والقاضي عياض, والنووي.

وأحياناً يذكر خلاف المتكلمين في قضية، يكون المتقدمون قد اتفقوا فيها. بينما ابن رجب تجد اهتمامه مركَّزاً على المتقدمين، حتى أنك تشعر غالباً أنك تقرأ لمحدّث فقيه من القرن الرّابع!

5- يتميز ابن رجب بتحرير مذهب الحنابلة في المسائل الفقهية، ويبين خطأ نسبة عدد من المسائل إلى الإمام أحمد. كما يبين أحكامه على كثير من الأحاديث.

6- أغلب ما وصله ابن رجب ولم يقف عليه ابن حجر، هو في الآثار والموقوفات. والسبب يرجع إلى أن ابن رجب كان حنبلياً. فهو مهتمٌّ بكتب الحنابلة. وكتب الحنابلة ككتاب: "الشافي" وكتاب "النجاد" وكتب الأثرم, وغيرهم، تهتمّ بإيراد أسانيد الموقوفات أكثر من كتب فقهاء الشافعية, أو المالكية أو الأحناف.

7- لكلّ واحد منهما أسلوبه في الشرح الفقهي بحيث أنه كثيراً لا يغني الواحد عن الآخر.

8- احتوى شرح الحافظ ابن رجب على بعض الرّوايات للبخاري, والتي لم توجد عند غيره, كما نبّه على ذلك الشيخ عبد الكريم الخضير. والله أعلم.

احتوى شرح الحافظ ابن رجب -رحمه الله- على كثير من الفوائد في مختلف العلوم والفنون, والتي تُشدّ إليها الرّحال, منها على سبيل المثال:

- قوله مفسّراً معنى قول الإمام أحمد في بعض الأحاديث: (ليس له إسناد)

قال ابن رجب رحمه الله (3/60): وقد قال أحمد : ليس له إسناد - يعني أن في أسانيده ضعفا ". انتهى

- فائدة نحوية نفيسة:

قال ابن رجب - رحمه الله - : " و قوله في الرواية الأخرى التي خرجها البخاري في هذا الباب : " إن أتقاكم و أعلمكم بالله أنا " : فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل ، و هو ممنوع عند أكثر النحاة ، ألا للضرورة ، كقول الشاعر :

ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير

و أنما يجوز إختيارا إذا لم يتأتى الإتيان بالمتصل ، مثل أن تبد بالضمير قبل عامله ، نحو ففف إياك نعبد ققق ، فإنه لا يبتدأ بضمير متصل ، أو يقع بعد نحو : " إلا إياه " .

فأما قول الشاعر :

أن لا يجاورنا إلاك ديار

فشاذٌّ

و أما قوله :

و أنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

فهو - عندهم - متأوَّل على أنّ فيه معنى الاستثناء ، كأنه قال : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا .

و لكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة ، و يكون حينئذ قوله : " إنما يدافع عن أحسابهم أنا " شاهد له ، غير محتاج إلى تأويل ، و الله أعلم ".  فتح الباري : (1/84-85).

مراجع منهجه :"فتح الباري" لابن رجب, مع مقدّمة المحقّق طارق عوض الله, ومقدّمة "شرح علل الترمذي" للدكتور همام عبد الرحيم.

طبعات الكتاب:

-                  طبع بتحقيق جماعة من المحققين، نشر مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة ... الأولى 1417هـ. في عشر مجلدات.

-                  ثمّ صُحِّحت وطبعت طبعة ثانية في دار الحرمين بنفس أرقام الصفحات في الطبعة الأولى مع ما أضافوه من زيادات وتصحيحات.

-                  وطبع في ثمان مجلّدات - الأخير فهارس - بتحقيق الشيخ طارق عوض الله, بدار ابن الجوزي.






([1])  

([2])  لازال الكلام للدكتور همام عبد الرحيم.

([3])  يقول بعض الباحثين: " والظاهر أن ابن حجر لم يطلع على كل شرح ابن رجب ، وإلا فقد اطلع على بعضه ونقل منه في ثلاث مواضع , ومما يدل على أنه لم يقف عليه كاملا أنه قد فاته عدد من الأحاديث المعلقة لم يقف ابن حجر على مَن وصلها ، بينما وقف عليها ابن رجب ؛ فلو أن ابن حجر اطلع عليها لذكرها مع حرصه الشديد على ذلك ". وقال آخر: استفاد ابن حجر من هذا الشرح وصرح بذلك في موضعين فقط!: (1/176)، (11/340).

 

دخول العضو