الرئيسة RSS خريطة الموقع

النشرات الإخبارية

الاسم:
البريد الإلكتروني:

عدد الزوار

3156004

منهج الإمام البخاري في كتابه "التاريخ الكبير"

اسم الكتاب:

اسم الكتاب كما هو معروفٌ ومتداول بين أهل العلم: "التاريخ الكبير"، ولا زال أهل العلم في القديم والحديث يذكرونه ويعزون إليه بهذا الاسم، ولم أجد من ذكر له اسمًا آخر.

توثيق نسبة الكتاب إلى الإمام البخاري:

إنَّ ثبوت نسبة كتاب "التاريخ الكبير" للإمام البخاري أمرٌ ظاهرٌ لا شكَّ فيه ولا ارتياب، ولكن اقتضت منهجية الأبحاث العلمية إيراد الأدلة على مثل هذا الأمر، فأقول: قد دلَّ على صحة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام البخاري أمورٌ كثيرة منها - على سبيل الإشارة - :

1-   الاستفاضة والشهرة التي هي من أقوى الأدلة على ثبوت نسبة أي كتاب إلى مؤلفه، فقد استفاضت نسبة هذا الكتاب للإمام البخاري واشتهرت بين أهل العلم في القديم والحديث.

2-   أنه قد نسبه له عددٌ كبيرٌ من أهل العلم في القديم والحديث.

3-   قد استفاد منه وعزى له جلُّ من صنَّف في تراجم الرواة والجرح والتعديل، حتى أنَّ ابن أبي حاتم الرازي قد بنى ثلاث كتب من كتبه على هذا الكتاب، وهي: "الجرح والتعديل"، و"العلل"، و"المراسيل".

4-   أنَّ الإمام البخاري قد ذكر هذا الكتاب وذكر متى ابتدأ تصنيفه، كما سيأتي في ثنايا البحث.

5-   نسبه له أصحاب كتب الفهارس والأثبات والمعاجم والمشيخات، ولا زالوا يعدُّونه ضمن مروياتهم عن شيوخهم، ومن ذلك أنَّ الحافظ ابن حجر قد عدَّه ضمن مروايته في "المعجم المفهرس" (ص 251 رقم 630)

موضوع الكتاب وتأليفه:

موضوع هذا الكتاب هو تراجم الرواة وحملة الآثار، فالكتاب مخصص لرواة الحديث عامة سواء أكانوا ثقات أم ضعفاء، وقد اعتمد فيه البخاري على الروايات في إثبات الأسماء والأنساب والكنى، كما اشتمل على الكثير من الجرح والتعديل إلى مادة هامة في علل الحديث.

وهذه الغزارة العلمية كانت ولا تزال سببًا في غموض منهجه وصعوبة الاستفادة منه، وقد أدرك هذا الغموض الإمام البخاري قبل غيره، فقال رحمه الله: " لو نُشِر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ.."، وقال: " أخذ إسحاق بن راهوية كتاب التاريخ الذي صنفته فأدخله على عبدالله بن طاهر، فقال: أيها الأمير ألا أريك سِحرًا ؟!  قال: فنظر فيه عبدالله، فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه". "سير أعلام النبلاء" (12/403)

وكتاب "التاريخ الكبير" للبخاري هو كتاب في الأصل يُدرج ضمن كتب العلل؛ فالطالب المبتدئ في علوم الحديث لا يصلح له النظر في مثل هذا الكتاب، لأن فهمه عسِر؛ لأنَّ الطالب المبتدئ في دراسة الأسانيد إنما يحتاج إلى كلامٍ كثيرٍ صريح عن الراوي، يحتاج إلى اسم الراوي، وكنيته، ولقبه، ومن يشتبه به من الأسماء الأخرى، ويحتاج إلى كلام صريح أن الراوي مجروح أم مُعَدَّل ؟ ثقة أم صدوق أم ضعيف؟

والبخاري - رحمه الله تعالى- صَنَّفَ هذا الكتاب بهذه الطريقة في سنٍّ مبكرة، فكان له يومئذ من العمر ثمانية عشر عامًا، يكتب على ضوء القمر عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألف ترجمة، ولا يوجد راوٍ من رواة كتاب "التاريخ الكبير" إلا وله قصة عند البخاري، فقد قال رحمه الله: " قَلَّ اسمٌ في التاريخ إلا وعندي قصته، إلا أنني كرهت أن يطول الكتاب". "هدي الساري" (ص502). يعني لو أراد أن يستقصي في حال الراوي، لو أراد أن يذكر كلامًا كثيرًا عن الراوي لفعل، ولكنه اختصر الكتاب اختصارًا. ومن تأمَّل هذا الكتاب وجدَ أنَّ البخاري اجتهد في استقصاء أسماء من بلغه ممن روى العلم إلى زمانه، وهو كتابٌ مليءٌ بالعلم والفوائد.

وقد اشتمل الكتاب على (13798) ترجمة تقريبًا - كما في النسخة المطبوعة المرقمة- وهي موزعة على النحو التالي: الجزء الأول: (2894) ترجمة، والجزء الثاني: (3176) ترجمة، والجزء الثالث: (3267) ترجمة، والجزء الرابع: (3452)، والكنى: (993) كنية للرجال، و(7) كنى للنساء.

منهج البخاري في "التاريخ الكبير":

لم يبيِّن الإمام البخاري منهجه في هذا الكتاب، وإنما تركه للناظر فيه، فيمكن الكلام عن منهج الإمام البخاري في هذا الكتاب من خلال النقاط التالية:

1ً- طريقة ترتيب الكتاب ومباحثه:

1-   رتَّب الإمام البخاري - رحمه الله تعالى- كتابه على حروف المعجم مراعيًا في ذلك الحرف الأول من الاسم والحرف الأول من اسم الأب، لكنه بدأ الكتاب بأسماء المحمدين؛ وذلك لشرف اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فرغَ من المحمدين؛ ابتدأ بحرف الألف، ثم الباء، ثم التاء، إلى آخره.

2-   كما أنه قَدَّمَ في كل اسمٍ أسماء الصحابة أولاً بدون النظر إلى أسماء آبائهم، ثم أسماء التابعين ثم من بعدهم، ثم ذكر بعد ذلك بقية الأسماء ملاحِظًا ترتيب أسماء آبائهم.

3-   يختم كلَّ حرفٍ بذكر الأفراد فيه، وبعد أن فرغ من الأسماء ذكر من لا يُعرف له اسم وإنما يُعرف باب فلان، ثم ختم كتابه بالكنى.

4-   قدَّم لكتابه بمقدمة مختصرة بيَّن فيها فضل قريش على الناس، واصطفاء الله عز وجل لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر ترجمة مختصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبه إلى آدم عليه السلام، وذكر شيئًا من صفاته صلى الله عليه وسلم، ومدة بعثته وذكر كيف بدأ التاريخ الهجري في عهد عمر بن الخطاب ثم ذكر تاريخ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

2ً- منهجه في سياق التراجم:

1-   تتراوح تراجم البخاري لرجاله بين الطول والقصر فبينا نجده يترجم لأحد الرجال بسطر واحد كما في ترجمة (محمد بن عبدالله بن أسيد)، و(محمد بن عبدالرحمن بن فورة)، و(محمد بن عمرو اليافعي)، وغيرهم، إذا به يترجم لـ (عبدالرحمن بن عبدالله بن مالك الأنصاري) في أكثر من عشر صفحات. لكن يغلب على تراجمه القِصَّر كما سبق في مبحث "موضوع الكتاب"

2-   يذكر البخاري في ترجمة الراوي: اسم الراوي واسم أبيه وجده وكنيته ونسبته إلى القبيلة أو البلدة أو كليهما، ومثال ذلك: قوله في ترجمة (محمد بن عبدالله الصراري): وصرار موضع بالمدينة. "التاريخ الكبير" (1/129 رقم 384)، وقلَّما يطيل في الأنساب، ويذكر بعض شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة، وقد يذكر جميع الشيوخ والتلاميذ إذا كان الراوي من المقلين وغير المعروفين بطلب العلم ليتميَّز حاله.

3-   كما يذكر نموذجًا من روايات الراوي أو أكثر.

4-   لا يقدِّم البخاري معلومات وافية عن أحوال الراوي، ولا يُكْثِر ولا يُصَرِّح، بل كثيرًا ما يأتي بالترجمة في سطرين أو ثلاثة على الأكثر، ويكون كلامه أشبه بالألغاز؛ تراه يقول: "فيه نظر"، وهذه الكلمة فيها جرحٌ شديد عند البخاري، وكذلك يقول: "روى عن فلان مرسل"، "روى عن فلان فأوقف الحديث"، هذه كلها إشارات تفيد بأن الحديث مُعَلٌّ.

5-   كثيرًا ما بشير إلى عقيدة المُترجم وآرائه، ومشاركته في الغزوات والفتوح.

6-   يذكر الوظائف التي اشتغل بها والمناصب التي تولاها بعض الرواة، وخاصة القضاء والولاية.

7-   يهتم بذكر سني الوفاة، ويُحدِّد أماكن الرواة، لا سيما الصحابة.

8-   قد يسكت البخاري عن الراوي وأكثر ما يسكت عن: الأئمة الثقات حيث ترجم للإمام الشافعي بسطرين، وسكت عليه، كما سكت عن الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن أشكاب، وأحمد بن منيع وغيرهم. وقد يسكت عن أناس مشهورين بالضعف أو النكارة كسكوته عن محمد ابن أشعث بن قيس الكندي، ومحمد بن إبراهيم اليشكري وغيرهما. وقد يسكت عن أناس مجاهيل كسكوته عن: محمد بن إسماعيل الباهلي، ومحمد بن إبراهيم بن عبدالله الهاشمي. وإبراهيم بن إسحاق عن الوليد بن أبي الوليد، وإبراهيم بن إسحاق عن طلحة بن كيسان وغيرهم. وقد يسكت البخاري عن أناس لم يعرفهم، حتى إنه لم يفرق بين أسمائهم، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

أ‌-      ترجم البخاري لمحمد بن قيس الأسدي الكوفي، وذكر عنه عدة طرق ثم قال: وقال يحي بن آدم: حدثنا أبو بكر النهشلي عن محمد بن قيس عن حبيب عن أبي ثابت عن طاووس في العتق. ثم قال: فلا أدري هو الأسدي أم لا ؟

ب‌-  وترجم لمحمد بن قيس عن أبي الحكم البجلي ثم ترجم لمحمد بن قيس المكي وختم ترجمته بقوله: "فلا أدري أهو الأول أم لا ؟". "التاريخ الكبير" (1/213 رقم 668)

ت‌-  وترجم لمحمد بن كليب بن جابر المديني يروي عن محمود ومحمد ابني جابر. ثم قال: "وعن موسى بن شيبة عن محمود بن كليب عن محمد بن جابر عن جابر....ثم قال: فلا أدري: هذا أخوه أم لا ؟". "التاريخ الكبير" (1/219 رقم 688)

ث‌-  وترجم لإبراهيم بن حنظلة عن أبيه روى عنه ابن المبارك. ثم قال في نهاية ترجمته "إن لم يكن ابن أبي سفيان فلا أدري من هو؟". "التاريخ الكبير" (1/283 رقم 911)

ج‌-   وترجم لإسماعيل بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي ربيعة المخزومي ثم ترجم لإسماعيل بن إبراهيم بن أبي ربيعة. وختم ترجمته بقوله: "إن لم يكن هذا الأول فلا أدري؟". "التاريخ الكبير" (1/339)

فيتضح من هذه الأمثلة أنَّ في "التاريخ الكبير" رجالا لم يتيقَّن البخاري حالهم، بل هو أحيانًا غير متأكد من أعيانهم.

ولو قال قائل: من سكت عنهم البخاري فغير مجروحين عنده، وإنما هم عدول، واحتمل في القليل منهم أن لا يكونوا من المشهورين، فيلحقون بالمستورين، لكان هذا قولاً وجيهًا. نعم، لا يصحُّ أن نُطلق التوثيق على من سكت عنه البخاري بمجرد ذلك، والله أعلم.

3ً- منهجه في ألفاظ الجرح والتعديل:

1-   لم يلتزم البخاري في "التاريخ الكبير" ذكرَ التعديل في الرواة، وإنما يورد ذلك أحيانًا قليلة جدًا. وقد قال ابن عدي: "وقد بيَّنت مراد البخاري أن يذكر كلَّ راوٍ، وليس مراده أنه ضعيف أو غير ضعيف، وإنما يريد كثرة الأسامي ليذكر كل من روي عنه شيئًا كثيرًا أو قليلاً وإن كان حرفًا". "الكامل" (2/378).  وهذا نصٌّ من إمام عارف ناقد، أن إدخال الراوي في "التاريخ الكبير" لا يعني بمجرده جرحًا ولا تعديلاً.

2-   التزم أن يذكر الجرح في المجروحين، وذلك من جهة ما يحكيه من عبارات بعض الأئمة قبله، وتارة بعبارة نفسه، وتارة بنقد رواية ذلك الراوي فيُستفاد من خلال ذلك النقد جرحه عند البخاري.

3-   يذكر البخاري ألفاظ الجرح والتعديل، وللبخاري منهجٌ خاص في عبارات الجرح والتعدي، فهو يستعمل عبارات لطيفة في الجرح؛ وليس معناها أن الجرح الذي في الراوي لطيف مثلها، لكنها عبارات لطيفة والجرح شديد؛ فيقول مثلاً: "فيه نظر"، أو "سكتوا عنه" يعني هذا مطروح بمرة، وأشدُّ ما يقوله من العبارات في الجرح "منكر الحديث"، فقد نُقِل عنه أنه قال: "كلُّ من قلتُ فيه منكر الحديث فلا تحلُّ الرواية عنه". واصطلاح البخاري في هذه العبارات هو أنه يقول: "فلان فيه نظر" أو: "فلان سكتوا عنه" فيمن تركوا حديثه على الأغلب؛ قال الذهبي في ترجمة (عبدالله بن داود الواسطي): وقد قال البخاري: "فيه نظر" ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبًا. "ميزان الاعتدال" (2/416). ، وقال العراقي في شرح " ألفيته ": "فلان فيه نظر"، و"فلان سكتوا عنه"؛ هاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه. "شرح التبصرة والتذكرة" (1/124)، ويقول الحافظ ابن حجر: "وللبخاري في كلامه عن الرجال توقٍّ زائد وتحرٍّ بليغ، يظهر من تأمُّل كلامه في الجرح والتعديل، فإن أكثر ما يقول: "سكتوا عنه"، "فيه نظر"، "تركوه"، ونحو ذلك، وقلَّ أن يقول: "كذاب" أو "وضَّاع" وإنما يقول: "كذبه فلان"، و"رماه فلان" يعني بالكذب". ثم نقل عن البخاري أنه قال: "إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا". "مقدمة الفتح" (1/481)، وقال الذهبي: قلت: صدق - رحمه الله - ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث. حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا، وهذا هو والله غاية الورع. "سير أعلام النبلاء" (12/439)

4-   لم يجر على طريقة الجرح بالجهالة، إلا ما يمكن أن يدل عليه قوله في مواضع في الراوي: "فيه نظر"، فإن التتبع يدل على أن طائفة ممن قال فيهم البخاري ذلك هم في جملة المجهولين.

4ً- اعتناؤه بمسألة السماع:

يبرز اهتمام البخاري واعتناؤه بالمسالة في كتابه هذا في النقاط الآتية:

1-   أولى عناية كبيرة في تراجم كتابه إلى بيان سماع كلّ راوٍ مترجم ممن روى عنهم إن كان قد ثبت سماعه عنهم، فيصدر أغلب التراجم في تاريخه الكبير بقوله: فلان بن فلان سمع فلانًا وفلانًا .. إلخ، بينما نجد غيره ممن ألَّف في التراجم؛ كابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" يستخدم صيغة: روى عن فلان وفلان .. الخ، مما يجعل الباحث لا يُميِّز ما هو سماع مما ليس بسماع، وأما البخاري فلشدة عنايته بهذا الأمر حرصَ على بيان سماع الرواة بعضهم من بعض بعبارات واضحة لا لبس فيها، ومن الأمثلة على ذلك: ترجم لمحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي فقال: محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، مدني، سمع علقمة بن وقاص وأبا سلمة، سمع منه يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق.. "التاريخ الكبير" (1/22). وقال في ترجمة (زهير بن قنفذ): زهير ابن قنفذ، سمع ابن عمر، روى عنه عبدالله بن ميمون. "التاريخ الكبير" (3/426).

2-   يُخرج أحيانًا في بعض التراجم أحاديث يظهر لنا أنه ليس له غاية من إخراجها إلا ليبين لقي المترجم له بعض من روى عنهم؛  فمن ذلك أنه قال في ترجمة (سليمان الأسود): سليمان الأسود الناجي البصري، روى عنه أبن أبي عروبة ووهيب، وقال موسى: نا عبدالعزيز بن المختار عن سليمان أنبأني أبو المتوكل: شهدت أبا هريرة - في السارق -. وزيادة بن أيوب أنا هشيم أنا سلميان أبو محمد: سمعت ابن سيرين. "التاريخ الكبير" (4/3). فهو هنا يريد إثبات سماع سليمان الأسود من أبي المتوكل الناجي علي بن داود، ومن محمد بن سيرين، فأخرج هذين السندين لإثبات ذلك. ... وقال في ترجمة (أبي نضرة العبدي): منذر بن مالك بن قطعة أبو نضرة العبدي .. سمع أبا سعيد وابن عباس، وروى عنه قتادة وسليمان التيمي وسعيد أبو سلمة.. ، وحدثني سالم بن نوح قال: نا الجريري عن أبي نضرة قال: خرج إلينا طلحة بن عبيدالله في ثوبين ممصرين. "التاريخ الكبير" (7/355- 356).

3-   يذكر أحيانًا احتمال سماع المترجم له ممن روى عنه دون أن يجزم بأنه سمع منه، ومن ذلك قوله في ترجمة (أبي إدريس الخولاني): عائذ الله بن عبدالله أبو إدريس الخولاني الشامي، ولد عام حنين قاله أبو مسهر، ويمكن أن يكون سمع من معاذ..، وابن معسود، والمغيرة بن شعبة. "التاريخ الكبير" (7/83). فلما كان سماع أبي إدريس من معاذ موضع احتمال وتردُّد، بيَّن البخاريُّ ذلك بعبارة تُشعر بالاحتمال. وكذلك عندما ترجم لعطاء بن يسار قال: عطاء بن يسار أبو محمد مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، سمع أبا سعيد وأبا هريرة رضي الله عنهما، ويقال: ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم. "التاريخ الكبير" (6/461). فأشار بقوله: "ويقال.." إلى عدم رجحان ثبوت سماع عطاء من ابن مسعود وابن عمر، وما هذا إلا دليل على تحريه العبارات الدقيقة في هذه المسألة لأنها عنده في غاية الأهمية.

4-   أعل البخاري كثيرًا من الأسانيد في تاريخه الكبير بسبب عدم ثبوت السماع بين بعض الرواة، ومن ذلك: أنه قال في ترجمة (الحسن بن سهيل): الحسن بن سهيل بن عبدالرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، عن ابن عمر، روى عنه يزيد بن أبي زياد، لا أدري سمع من ابن عمر أم لا ؟. "التاريخ الكبير" (2/294-295). وقال في ترجمة (عبدالله بن سراقة): عبدالله بن سراقة، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لم يكن نبيٌّ بعد نوح إلا أنذر الدجال قومه"، قاله موسى عن حماد بن سلمة عن خالد بن عبدالله بن شقيق عن عبدالله بن سراقة، لا يعرف له سماع من أبي عبيدة. "التاريخ الكبير" (5/97). وقد قال ابن حجر - عن هذه المسألة-: فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك. "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/595).

5-   أنه في بعض التراجم لا يذكر كلمة "سمع" فيما يرويه المترجم له عمن روى عنهم، وإنما يذكر كلمة "عن" بدلاً من "سمع" كقوله: سعد مولى طلحة عن ابن عمر. "التاريخ الكبير" (4/58)، وكقوله: شريح بن عبيد الحضرمي أبو الصلت الشامي، سمع معاوية بن أبي سفيان، وعن فضلة بن عبيد. "التاريخ الكبير" (4/230). فقد بلغ من شدة عنايته، وعظيم اهتمامه بهذه المسألة أن يذكر كلمة "عن" بدل "سمع" في تراجم الذين لم يثبت عنده سماعهم ممن رووا عنهم، فهو يفرِّق بين ما ثبت سماعه لصاحب الترجمة ممن روى عنهم بقوله: "سمع"، وما لم يثبت عنده أنه سمع ممن روى عنهم بقوله: "عن". مما يدعونا إذا رأينا كلمة "عن" محل كلمة "سمع" أن نتساءل: لماذا لم يقل "سمع" ؟ لا سيما وأن بين الكلمتين مغايرة وتباين جليلاً فكلمة "سمع" تدل على ثبوت السماع، والأخرى لا تدل على السماع، والبخاري - كما لا يخفى - عظيم الاهتمام والحرص في إيضاح هذه المسألة والحكم بها؛ فيكون من المترجح أنه عندما يذكر كلمة "عن" محل كلمة "سمع" قد أراد أن الأولى غير الثانية في إثبات السماع. ومن الأمثلة التي تؤكِّد هذا الأمر أيضًا: قوله: حصين بن قبيصة الفزاري، سمع عليًا، وعن عبدالله. "التاريخ الكبير" (3/5)، وقوله: خليد بن دعلج، سمع الحسن وعن ابن سيرين، وسمع عطاء وقتادة. "التاريخ الكبير" (3/199)، وقوله: عبدالله بن نيار ابن مكرم الأسلمي، سمع أباه وعن عروة. "التاريخ الكبير" (5/214)، وقوله: عبدالله بن سخبرة الأزدي، ويقال: الأسدي أسد شنوءة، وأبو معمر الكوفي، سمع خبابًا وعن عمر رضي الله عنهما. "التاريخ الكبير" (5/97) إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

أهمية كتاب "التاريخ الكبير":

هذا الكتاب من أنفس ما كتب في علم الجرح والتعديل ، ويَتَمَيَّز بميزات كثيرة من أهمها:

1-   مكانة مؤلفه وإمامته في هذا الفن كما لا يخفى، وهو أمير المؤمنين في الحديث، كما قيل فيه.

2-   أنَّ هذا الكتاب من أوائل الكتب المؤلفة في هذا الفن، بل هو أول كتاب موسوعي شامل لتراجم الرواة بهذا الشكل.

3-  أنَّ هذا الكتاب قد ذَكَرَ أسماء كثيرة من أسماء الرواة، وقد حاول البخاري أن يستوعب في هذا الكتاب جميع الرواة الذين لهم رواية، وإن كان قد فَاتَه الكثير، ولذلك تجده - أحيانًا- يذكر بعض الرواة الذين ليس لهم إلا حديث واحد، فهذه ميزة تميز بها البخاري، فكتابه أوسع من جميع الكتب التي سبقته، ولذلك الكتب التي جاءت من بعده استفادت منه كثيرًا، ككتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم.

4-   أنه يذكر بعض الأشياء التي تتعلق بهذا الراوي من جهة الصناعة الحديثية، فتجده يتكلم في بعض الرواة بالجرح والتعديل.

5-  أنه كثيرًا ما يهتم بشيوخ وتلاميذ هذا الراوي، ويذكر هل هذا الراوي سمع من الشيخ الذي يروي عنه أم لم يسمع ؟ ولذلك يُعْتَبَر كتابه من أهم الكتب التي تبحث هذه المسألة. فكثيرًا ما يُنَبّه؛ على مسألة السماعات، فيقول مثلاً: (فلان لم يسمع من فلان) وهذه فائدة مهمة، كما سبق بيانه في مبحث منهجه واعتنائه بمسألة السماع.

6-  أنه قد اعتمد عليه واستفاد منه جلُّ من جاء بعده، فقد ألَّف ابن أبي حاتم ثلاثة كتب مَبْنِيَّة على كتاب "التاريخ الكبير"، وهي: "الجرح والتعديل"، و"العلل"، و"المراسيل".

7-  من ميزات كتاب "التاريخ الكبير": أنَّ الراوي إذا وَقَعَ في اسمه اختلاف فإنه يبين هذا الاختلاف، ويحاول أن يذكر الراجح في اسم هذا الراوي، حتى إنه أحيانًا يَتَوَسَّع في سِيَاق الأسانيد، من أجل أن يبيِّن اسم هذا الراوي الذي وقع في اسمه اختلاف. فالراوي قد يقع في اسمه اختلاف وهذا كثيرًا ما يحصل، فقد يظن الظانّ أنَّ هذا الاختلاف يفيد تعدد الرواة، وقد يظن أن هذا الاسم لراوٍ، وهذا الاسم لراوٍ آخر، وهذا الاسم الثالث لراوٍ آخر، بينما هو اسم لراوٍ واحد، اختلف في اسمه، وأحيانًا قد يقع الاختلاف في اسم هذا الراوي على عشرة أوجه، وأحيانًا أكثر من ذلك، فالبخاري يهتم بهذه القضية.

8-   من فوائد هذا الكتاب أنه كتاب مُعَلَّل، فيه عِلَل كثير من الأحاديث. فمن هذه الأحاديث التي عَلَّلَها في هذا الكتاب، الحديث الذي جاء عن أبي موسى الأشعري أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن أمتي أمة مرحومة، جعل عذابها بأيديها في الدنيا"، فالبخاري عندما ذكر هذا الحديث قال: والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة وأن قومًا يُعذَّبون، ثم يخرجون أكثر وأبين وأشهر.  ويريد بذلك أن يُعَلِّل ما جاء في هذا الحديث، وهو أن ظاهر هذا الحديث أنه ليس هناك عذاب في الآخرة على المسلمين. فممن ميزات هذا الكتاب أنه عَلَّلَ أحاديث كثيرة.

9-   مما يتميز به هذا الكتاب أنه حوى كثيرًا من الأحاديث والآثار، بأسانيدها.

بعض المآخذ على الكتاب:

على الرغم من المزايا الكثيرة لكتاب "التاريخ الكبير" فإنه يبقى جهدًا بشريًا لا يسلم من الأوهام والأخطاء. لكنها أخطاء يسيرة وأوهام معدودة تكلم عليها الحفاظ وبينوها؛ قال ابن عقدة: "يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها، فربما ذكر الرجل بكنيته ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين". "النكت على مقدمة ابن الصلاح" للزركشي (1/169)

ومن هؤلاء الحفاظ الذين تكلَّموا على ما وقع للبخاري من أخطاء في كتابه هذا: الإمامان الرازيان أبو حاتم وأبو زرعة، فلهما انتقادات وتعقُّبات عليه جمعها ابن أبي حاتم في كتابه "بيان خطأ محمد بن إسماعيل في تاريخه"، وكذلك الخطيب البغدادي في كتابه "موضح أوهام الجمع والتفريق " فالجمع عد الاثنين فأكثر واحدًا، والتفريق: عدُّ الواحد اثنين فأكثر، وقد ساق فيه الخطيب أربعة وسبعين فصلاً غالبها في التفريق، وبعضها في الجمع، يورد في كل فصل عبارة "التاريخ الكبير" ثم يذكر رأيه ويستدل عليه بكلام الأئمة ويسوق الأسانيد التي تشهد له. والكتاب مطبوع وهو مفيد في بابه، وليس كل ما في مسلم له. كما انتقده أيضًا الحافظ عبدالغني في بعض الأوهام التي وقعت له، وهي أشياء يسيرة لا تتجاوز العشرة، وقد طبعت كملحق في الجزء الثامن من التاريخ الكبير طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

مقارنة بين كتابي "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم و"التاريخ الكبير" للبخاري:

للبخاري رحمه الله إمامته وجلالته وتقدمه، ولتاريخه أهميته الكبرى ومزاياه العظيمة، وقد أثنى على كتابه شيوخه ومن في طبقتهم، حتى إن شيخه الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه لما رأى التاريخ لأول مرة دخل به على الأمير عبدالله بن طاهر فقال: ( أيها الأمير ألا أريك سحرًا ؟).

وقد حذا ابن أبي حاتم - في الغالب - حذو البخاري في الترتيب وسياق كثير من التراجم وغير ذلك، وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ (3/175) عن أبي أحمد الحاكم الكبير أنه ورد الري فسمعهم يقرأون على ابن أبي حاتم كتاب "الجرح والتعديل" قال: ( فقلت لابن عبدويه الوراق: هذه ضحكة أراكم تقرأون كتاب التاريخ للبخاري على شيخكم وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم، فقال: يا أبا احمد إنَّ أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إليهما تاريخ البخاري قالا: هذا علمٌ لا يُستغنى عنه ولا يحسنُ بنا أن نذكره عن غيرنا فأقعدا عبدالرحمن يسألهما عن رجل بعد رجل وزادا فيه ونقصا ).

وقد حوى الكتابان أسماء من نقل عنه شيء من الخبر، حديثًا مرفوعًا كان أو أثرًا عن صحابي أو تابعي، وذلك إلى زمان مؤلفيهما، من غير اقتصارٍ على رواة كتاب معين، أو بلد معين، فلذا لم يقاربهما كتاب في الشمول والاستيعاب في جملة كتب التراجم التي وصلت إلينا، لكن تاريخ البخاري خالٍ في الغالب من التصريح بالحكم على الرواة بالتعديل أو الجرح. بينما نجد "الجرح والتعديل" مليءٌ بالأحكام على الرواة جرحًا وتعديلاً، وما نلاحظه من زيادة التراجم في كتاب ابن أبي حاتم إنما سببه أنه عاش بعد البخاري زمانًا فاستوعب رجالاً لم يذكرهم البخاري، أحيانًا بفوات عليه، وغالبًا لدخولهم في جملة النَّقلة بعد تصنيف البخاري، من أقرانه أو ممن جاءوا بعد موته.

ما كُتِب حول "التاريخ الكبير" من رسائل وأبحاث:

  • الأحاديث التي قال فيها البخاري: لا يتابع عليه في "التاريخ الكبير". لعبدالرحمن بن سليمان الشايع- رسالة ماجستير في جامعة أم القرى، الدعوة وأصول الدين، سنة 1419هـ
  • الأحاديث التي أعلها البخاري في كتابه "التاريخ الكبير" من أول الكتاب إلى نهاية ترجمة سعيد بن عمير الأنصاري (جمعًا ودراسة وتخريجًا)، لعادل بن عبدالشكور الزرقي – رسالة ماجستير – في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ أصول الدين، سنة 1414ه‍- 1416ه‍.
  • تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في كتاب "التاريخ الكبير" للإمام البخاري، لمحمد بن عبدالكريم ابن عبيد - رسالة دكتوراه - في جامعة أم القرى؛ الدعوة وأصول الدين، سنة 1412ه‍.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: القسم الثاني حرفا الباء والتاء (دراسة تحليلية)، لمنال بنت عبدالرحمن بن ناصر الدعيجي – رسالة ماجستير- في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1416ه‍- 1420ه‍.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: القسم الثالث حرفا الثاء والجيم (دراسة تحليلية)، لنورة فهد بن إبراهيم العيد – رسالة ماجستير – في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1416ه‍- 1420ه‍.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: القسم الرابع حرفا الحاء حتى بداية من اسمه حسان (دراسة تحليلية)، لعواطف بنت علي بن محمد الجنوبي – رسالة ماجستير – في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1417ه‍- 1420ه‍. ثلاثتها بإشراف: محمود عبد الخالق حلوة.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: بداية ممن اسمه الحكم إلى نهاية من اسمه حنظلة مع تخريج حديث لكل راو منهم، لليلى بنت صالح بن عبدالله البديع – رسالة دكتوراه – في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1418ه‍-  بإشراف: إبراهيم بن محمد الصبيحي.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: من بداية من اسمه حنيبيز إلى نهاية من اسمه خزيمة مع تخريج حديث لكل راو منهم، لنورة عبدالله بن متعب الشهري – رسالة دكتوراه – في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1418ه‍- بإشراف: علي عبدالله الزبن.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: بداية من اسمه حسان إلى نهاية من اسمه حفص مع تخريج حديث لكل راو منهم، لهيلة بنت فهد بن محمد الهذال – رسالة دكتوراه – في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1418ه‍- م. إبراهيم بن محمد الصبيحي.
  • زوائد رجال "التاريخ الكبير" للبخاري على "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني: القسم الثامن ممن اسمه خشرم إلى نهاية من اسمه ذيال: دراسة تحليلية، لأمل بنت فهد ابن صالح الشلهوب – رسالة دكتوراه – في الرئاسة العامة لتعليم البنات؛ الآداب للبنات بالرياض، سنة 1420ه‍- بإشراف: محمد أحمد ميرة.
  • كتاب "فتح الخبير لأحاديث التاريخ الكبير"، رتبه برق التوحيدي، وجمع أحاديثه مع أحاديث "ميزان الاعتدال" في كتاب واحد سماه "المفتاح الكبير لأحاديث الميزان والتاريخ الكبير".

والحمد لله رب العالمين


 

دخول العضو